ابن قتيبة الدينوري

6

أدب الكاتب

خوى نجم الخير ، وكسدت سوق البرّ ، وبارت بضائع أهله ، وصار العلم عارا على صاحبه ، والفضل نقصا [ 1 ] ، وأموال الملوك وقفا على شهوات « 1 » النفوس ، والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق وآضت المروءات في زخارف النّجد وتشييد البنيان ، ولذّات النفوس في اصطفاق المزاهر « 2 » ومعاطاة النّدمان . ونبذت الصنائع ، وجهل قدر المعروف ، وماتت الخواطر ، وسقطت همم النفوس ، وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت « 3 » . فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخط قويم « 4 » الحروف ، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا « 5 » في مدح قينة « 6 » أو وصف كأس ، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئا من تقويم الكواكب ، وينظر في شيء من القضاء وحدّ المنطق ، ثم يعترض على كتاب اللّه عزّ وجلّ بالطعن « 7 » وهو لا يعرف معناه ، وعلى حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتكذيب وهو لا يدري من نقله ، قد رضي عوضا من اللّه تعالى ، ومما عنده بأن يقال : « فلان لطيف » [ 2 ] و « فلان دقيق « 8 » النظر » يذهب إلى أن لطف النظر « 9 » قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه ؛ فهو يدعوهم الرّعاع والغثاء والغثر ، وهو - لعمر اللّه - بهذه الصفات أولى ، وهي به أليق ؛ لأنه جهل وظنّ أن قد علم ، فهاتان جهالتان ؛ ولأن هؤلاء جهلوا وعلموا أنهم

--> ( 1 ) : ليس في و ، ج ، س ، ل . ( 2 ) : أ : في أصوات العيدان . ( 3 ) : أ : الملك . ( 4 ) : أ : مستقيم . ( 5 ) : « ب : أبّياتا » . ( 6 ) : أ : أمة . ( 7 ) : أ : بالظنّ . ( 8 ) : أ : رفيق . ( 9 ) : أ : لطيف النظر . و : لطف الفكر .